محمد علي سلامة

91

منهج الفرقان في علوم القرآن

وقد وردت بهذا المعنى آثار كثيرة وقليل من النظر كاف في أن معرفة هذا الفن للفقهاء والأصوليين والمفسرين واجبة وإلا اختلطت الأحكام وقد يقف أحدهم عند المنسوخ فيتخذه حجة وعند ذلك يقع في الضلال والإضلال ولا يميز الحرام من الحلال فهو من الفنون المهمة ولذا عنى به العلماء والمجتهدون من الأئمة ، وما لم يثبت النسخ أيضا يتطرق الشك إلى أصل البعثة نعوذ بالله من ذلك لذا كان معرفة النسخ وما يتعلق به يتوقف عليها أصول الدين وفروعه وفقنا الله إلى معرفة الحق والصواب ، ولما كان بعض المنكرين يحتج بأنه بداء ومنهم من يقول بأنه تخصيص ، تعرضنا لبيان الفرق بينه وبين كل من البداء والتخصيص : الفرق بين النسخ والبداء البداء : هو الظهور بعد الخفاء ومنه بدا لنا سور المدينة بعد خفائه وبدا لنا الأمر الفلاني أي ظهر بعد خفائه ومنه قوله تعالى : وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ « 1 » وقوله : وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا « 2 » وتقول بد إلى ترك هذا الأمر بعد أن كنت عازما على فعله أو بدا الفعل بعد العزم على الترك فهو مفيد للظهور بعد الخفاء ومستلزم للعلم بعد الجهل وذلك مستحيل في حق الله تعالى . وأما النسخ فقد علمت أنه رفع الحكم الشرعي بخطاب شرعي متراخ عنه وهو مستلزم لتحويل العباد من حكم كان لحكمة ومصلحة في وقت إلى حكم آخر لحكمة ومصلحة وكلا الحكمين المنسوخ والناسخ وما يترتب على كل منهما من الحكم والمصالح معلومة لله تعالى لجواز اختلاف المصلحة باختلاف الأزمان فقد تكون مصلحة أهل زمان في المساهلة ومصلحة أهل زمان آخر في الشدة أو العكس . وإذا ظهر الفرق بين النسخ والبداء علم بالضرورة أن البداء مستحيل في حقه تعالى لاستلزامه للجهل وأما النسخ فهو جائز في حقه تعالى لاشتماله على الحكمة والمصلحة المعلومة . ولما خفى الفرق بينهما على كل من اليهود والروافض غالى كل منهما في طرف

--> ( 1 ) الزمر : 47 . ( 2 ) الجاثية : 33 .